منذ أن بدأ مصطلح «الذكاء العاطفي» يظهر في الدراسات النفسية في مطلع التسعينيات، ثم انتشر أكثر بعد صدور كتاب دانيال غولمان عام 1995، لم يعد الحديث عن الذكاء مرتبطاً فقط بالقدرات العقلية أو التحصيل العلمي. بدأ الاهتمام يتجه أيضاً إلى قدرة الإنسان على فهم مشاعره وضبط انفعالاته، وإلى الطريقة التي يفهم بها الآخرين ويتعامل معهم في العمل والمدرسة والبيت وفي حياته الاجتماعية.
والسبب مفهوم. فنحن نعرف في حياتنا اليومية أشخاصاً يملكون الكثير من العلم والخبرة، وربما يشغلون مواقع مهمة، ومع ذلك يجدون صعوبة في إدارة خلاف بسيط، أو تقبل ملاحظة، أو ضبط رد فعلهم عندما يغضبون. وفي المقابل، نلتقي أشخاصاً يعرفون كيف يتصرفون في المواقف الصعبة، وكيف يفهمون الآخرين، ومتى يتحدثون ومتى يكون الصمت أفضل، وكيف يختلفون من دون أن يحولوا كل اختلاف إلى مشكلة.
من هنا جاءت أهمية الذكاء العاطفي. فالمسألة ليست في أن نشعر أو لا نشعر، بل في أن نعرف ماذا نفعل بما نشعر به.
العلاقة بين العقل والعاطفة
لفترة طويلة، كان الاعتقاد السائد أن التفكير السليم يحتاج إلى إبعاد العاطفة، وأن الإنسان يكون أكثر عقلانية عندما لا يسمح لمشاعره بالتأثير في قراراته.
لكن حياتنا اليومية تقول شيئاً آخر. فالإنسان لا يستطيع أن يترك مشاعره خارج المكتب قبل أن يدخل إلى اجتماع مهم، كما لا يستطيع أن يقرر أنه لن يقلق لأن لديه عملاً يحتاج إلى التركيز، أو أنه لن يغضب لأن الغضب قد يؤثر في قراره. نحن نفكر ونشعر في الوقت نفسه، وكل واحد منهما يؤثر في الآخر.
كما أن المشاعر ليست دائماً أمراً سلبياً. فقد يجعلنا الخوف أكثر حذراً عندما يكون هناك خطر حقيقي، وقد يدفعنا القلق إلى الاستعداد بصورة أفضل، وقد يكون الغضب إشارة إلى أن هناك تصرفاً لم نقبله. لكن الخوف قد يعطلنا إذا زاد عن حده، والقلق قد يربكنا، والغضب قد يدفعنا إلى قول كلام نندم عليه لاحقاً.
لذلك لا يعني الذكاء العاطفي أن نتخلص من مشاعرنا أو نخفيها، بل أن نفهمها ونعرف كيف نتعامل معها، حتى لا تصبح هي التي تتحكم في تصرفاتنا وقراراتنا.
كيف تطور مفهوم الذكاء العاطفي؟
على الرغم من أن مصطلح الذكاء العاطفي اشتهر في التسعينيات، فإن الفكرة نفسها أقدم من ذلك. ففي عام 1920 تحدث عالم النفس إدوارد ثورندايك عن «الذكاء الاجتماعي»، وربطه بقدرة الإنسان على فهم الآخرين والتعامل معهم. وفي تلك المرحلة، كان الحديث يدور حول ثلاثة أنواع من الذكاء:
- الذكاء المجرد: القدرة على فهم الرموز اللفظية والرياضية والتعامل معها.
- الذكاء الحسي: القدرة على فهم الأشياء الحسية أو المادية والتعامل معها.
- الذكاء الاجتماعي: القدرة على فهم الناس والتعامل معهم في العلاقات الإنسانية.
ويهمنا هنا النوع الثالث، لأنه أدخل إلى مفهوم الذكاء شيئاً نعرفه جيداً في الحياة: أن تكون ذكياً لا يعني فقط أن تعرف وتحلل وتحل المسائل، بل أن تعرف أيضاً كيف تفهم الناس وتتعامل معهم.
وفي الأربعينيات، أشار ديفيد وكسلر إلى أهمية عوامل عاطفية وشخصية واجتماعية إلى جانب القدرات العقلية. وبعد ذلك بسنوات، قدم هوارد غاردنر نظريته حول الذكاءات المتعددة، وتحدث عن قدرات تتعلق بفهم الإنسان لنفسه وأخرى بفهمه للآخرين.
أما مصطلح «الذكاء العاطفي» نفسه، فقد استخدمه بيتر سالوفي وجون ماير عام 1990 في حديثهما عن قدرة الإنسان على فهم مشاعره ومشاعر الآخرين والتمييز بينها والاستفادة منها في التفكير والتصرف. ثم جاء دانيال غولمان، ومع صدور كتابه «الذكاء العاطفي» عام 1995، أصبح المفهوم معروفاً على نطاق أوسع، وانتقل من الدراسات الأكاديمية إلى الإدارة والتعليم والتدريب وتطوير القيادات.
ما الذي يشكل الذكاء العاطفي؟
لخص غولمان الذكاء العاطفي في خمسة مكونات أساسية، وهي تستحق أن تظهر بوضوح لأنها تساعدنا على فهم المفهوم بعيداً عن التعريفات الطويلة:
- الوعي بالذات: أن أعرف ما أشعر به، وأن أفهم لماذا أشعر به وكيف يؤثر في تصرفاتي.
- ضبط الذات: أن أتحكم في رد فعلي من دون أن أنكر مشاعري أو أخفيها.
- الحافز: أن يكون لدي دافع للعمل والإنجاز يتجاوز الراتب أو الترقية أو المنصب.
- التعاطف: أن أفهم مشاعر الآخرين من دون أن يعني ذلك أن أوافقهم في كل شيء.
- المهارات الاجتماعية: أن أعرف كيف أبني علاقاتي وأتعامل مع الناس وأصل معهم إلى مساحة من التفاهم.
تبدو هذه الأمور واضحة على الورق، لكن تطبيقها ليس دائماً بهذه السهولة. فالوعي بالذات، مثلاً، لا يعني فقط أن أعرف أنني غاضب، بل أن أفهم لماذا أغضبني هذا الموقف بالذات. هل المشكلة في الكلام الذي سمعته، أم في الطريقة التي قيل بها، أم في الطريقة التي فهمت بها هذا الكلام؟
وضبط الذات لا يعني أن يتظاهر الإنسان بأنه هادئ. ولعل معظمنا مر بتجربة كتب فيها رسالة وهو غاضب، ثم أعاد قراءتها بعد ساعة وكان سعيداً لأنه لم يرسلها. الموقف لم يتغير خلال تلك الساعة، لكننا هدأنا، ولذلك تغيرت الكلمات التي كنا سنستخدمها.
أين نحتاج إلى الذكاء العاطفي؟
نحتاج إلى الذكاء العاطفي في جوانب كثيرة من حياتنا، لكن مكان العمل يقدم لنا أمثلة واضحة جداً، لأننا نمضي فيه ساعات طويلة مع أشخاص تختلف شخصياتهم وطريقة تفكيرهم وتعبيرهم.
لنتصور موظفاً وصلته في نهاية يوم طويل رسالة قصيرة من مديره تقول: «أريد أن أراك غداً صباحاً». قد يمضي الموظف مساءه كله في التفكير في الرسالة، ويستعيد أعمال الأيام الماضية بحثاً عن خطأ ارتكبه، وربما يصل إلى الاجتماع في اليوم التالي وهو مستعد للدفاع عن نفسه، ثم يكتشف أن المدير كان يريد تكليفه بمشروع جديد.
المشكلة هنا لم تكن في الرسالة نفسها، بل في كل ما افترضناه حولها.
والأمر نفسه يحدث عندما يمر زميل من دون أن يلقي التحية، فنقرر أنه يتجاهلنا، أو عندما يلاحظ مدير تراجع أداء أحد الموظفين فيعتبره مهملاً قبل أن يسأله عما تغير. هناك ما حدث فعلاً، وهناك ما فهمناه نحن مما حدث، وليس الاثنان دائماً الشيء نفسه.
الذكاء العاطفي في القيادة
تزداد أهمية الذكاء العاطفي لدى المدير، لأن كلماته وردود أفعاله تؤثر في الأشخاص الذين يعملون معه. فقد يقول ملاحظة وينساها بعد دقائق، بينما يبقى الموظف يفكر فيها طوال اليوم.
والمدير لا يتعامل مع أشخاص متشابهين. فقد يكون لديه موظف يتقبل النقد المباشر ويريد أن يعرف خطأه بوضوح، بينما يشعر موظف آخر بالإحراج إذا وجهت إليه الملاحظة أمام زملائه. وهذا لا يعني أن تتغير معايير العمل من شخص إلى آخر، بل أن يعرف المدير أن الناس لا يتلقون الكلام بالطريقة نفسها.
فقد تقول الملاحظة نفسها بطريقتين. في المرة الأولى، يخرج الموظف وهو يفكر في كيفية تصحيح خطئه، وفي الثانية، يخرج وهو لا يفكر إلا في الطريقة التي تحدثت بها معه.
والذكاء العاطفي لا يعني أن يكون المدير ليناً دائماً. فقد يكون حازماً، وقد يرفض طلباً، ويحاسب على خطأ، ويتخذ قراراً لا يعجب الجميع، لكن الحزم لا يحتاج إلى إهانة، وتصحيح الخطأ لا يحتاج إلى التقليل من قيمة صاحبه.
الذكاء العاطفي في مواجهة الضغط
يصبح التعامل مع المشاعر أصعب عندما نكون تحت الضغط، وهذا أمر يعرفه كل من اضطر يوماً إلى إنجاز عمل مهم في وقت ضيق، أو دخل اجتماعاً صعباً، أو انتظر قراراً مهماً.
قد يكون القليل من القلق مفيداً، لأنه يجعل الإنسان أكثر انتباهاً واستعداداً، لكن عندما يزيد القلق قد يحدث العكس. فالموظف الذي ينشغل طوال الوقت بفكرة أنه قد يخطئ يصبح أقل تركيزاً على العمل نفسه، والشخص الذي يدخل اجتماعاً وهو مقتنع مسبقاً بأنه سيتعرض للهجوم قد يفهم أي ملاحظة على أنها هجوم.
وفي لحظات الغضب يصبح الوقت بين الشعور ورد الفعل قصيراً. قد نشعر أن علينا أن نجيب فوراً، ثم نكتشف بعد قليل أنه كان من الأفضل لو انتظرنا. وقد نعتقد أن السكوت لبضع دقائق يعني أننا تراجعنا، بينما يكون هذا الوقت القصير هو الذي منع خلافاً بسيطاً من أن يكبر.
الذكاء العاطفي في حياتنا الشخصية
ما يحدث في العمل يحدث أيضاً في البيت وبين الأصدقاء وفي العلاقات العائلية، وربما يكون الأمر أكثر حساسية مع الأشخاص القريبين منا، لأننا نسمح لأنفسنا معهم أحياناً بما لا نسمح به مع زميل أو شخص لا نعرفه جيداً.
قد يبدأ خلاف عائلي من كلمة صغيرة، ثم ينتقل بسرعة إلى أمور حدثت قبل سنوات. وقد يفسر أحد الطرفين صمت الآخر على أنه تجاهل، بينما يكون الصمت محاولة لتجنب قول شيء في لحظة غضب. وكما يحدث في العمل، كثير من خلافاتنا لا يتعلق فقط بما قيل، بل بما فهمناه مما قيل.
والذكاء العاطفي لا يعني أن نتجنب الخلاف، فالخلاف طبيعي في أي علاقة. المهم هو كيف نديره، وكيف نمنع مشكلة صغيرة من أن تتحول إلى مشكلة أكبر.
كيف نطور ذكاءنا العاطفي؟
إذا بقي الذكاء العاطفي مجرد تعريفات ونظريات، فلن يغير الكثير في حياتنا. قيمته الحقيقية تظهر عندما نبدأ بتطبيقه، وهذا يحتاج إلى وقت وممارسة، ولا يحدث بمجرد قراءة كتاب أو حضور دورة تدريبية.
وهناك بعض الممارسات البسيطة التي يمكن أن تساعد:
- راقب ما يزعجك بشكل متكرر. إذا كان الموقف نفسه أو النوع نفسه من الأشخاص يثير رد فعل قوياً لديك في كل مرة، فمن المفيد أن تعرف السبب.
- افصل بين ما حدث وما فهمته مما حدث. ليس كل تفسير نضعه لتصرفات الآخرين حقيقة.
- لا تجعل الرد الفوري قاعدة. بعض الرسائل والمواقف تصبح أوضح عندما نعطي أنفسنا قليلاً من الوقت.
- انتبه إلى الكلمات التي تستخدمها. هناك فرق بين «هو يتعمد استفزازي» و«طريقته تستفزني». الأولى حكم على نيته، والثانية وصف لما تشعر به.
- استمع حتى النهاية. فكثيراً ما نظن أننا نستمع، بينما نكون في الحقيقة نحضر إجابتنا وننتظر دورنا في الكلام.
لا تبدو هذه الممارسات كبيرة أو معقدة، وربما لهذا السبب نستهين بها أحياناً. لكن الذكاء العاطفي لا يظهر عادة في القرارات الكبيرة وحدها، بل في التفاصيل الصغيرة التي تتكرر كل يوم.
الذكاء العاطفي في التربية والتعليم
لم يبق الاهتمام بالذكاء العاطفي محصوراً في الشركات والمديرين، بل وصل أيضاً إلى التربية والتعليم. فالطفل يحتاج إلى القراءة والحساب والمعرفة، لكنه يحتاج كذلك إلى أن يتعلم كيف يتعامل مع الإحباط، وكيف يعبر عن غضبه، وينتظر دوره، ويتعاون مع الآخرين ويتعامل مع الخلاف.
وقد لا تظهر هذه القدرات في الشهادة المدرسية كما تظهر علامة الرياضيات أو اللغة، لكنها ترافق الإنسان بعد المدرسة بسنوات طويلة. فنحن نكبر، ونحصل على الشهادات والمناصب والخبرات، ثم نكتشف أحياناً أننا ما زلنا بحاجة إلى تعلم أشياء بسيطة: كيف نختلف من دون أن نهين، وكيف نستمع قبل أن نحكم، وكيف نعترف بخطأ، ومتى يكون من الأفضل أن ننتظر قليلاً قبل أن نتكلم.
من النظرية إلى التطبيق
المفارقة في الذكاء العاطفي أن معظم ما يقال عنه يبدو واضحاً عندما نقرأه. فلا أحد تقريباً يعترض على أهمية ضبط النفس أو التعاطف أو حسن الاستماع، لكن أن نقتنع بهذه الأمور شيء، وأن نطبقها في موقف حقيقي شيء آخر.
فالإنسان لا يُختبر في ذكائه العاطفي عندما يقرأ كتاباً عنه، بل عندما لا تسير الأمور كما يريد، أو يسمع نقداً لا يعجبه، أو يدخل في خلاف مع شخص قريب منه. عندها نعرف إن كان قادراً على استخدام ما يعرفه، أم أن ما قرأه وتعلمه سيختفي أمام رد الفعل.
وهذا ربما هو الفرق الحقيقي بين من يعرف الذكاء العاطفي ومن يمارسه. فالأول يستطيع أن يشرح معنى ضبط الذات والتعاطف والوعي بالمشاعر، أما الثاني فقد لا يستخدم هذه المصطلحات كلها، لكنه يعرف، عندما تصبح الأمور صعبة، كيف يدير نفسه قبل أن يحاول إدارة الآخرين.
وهنا تقع المسافة بين النظرية والتطبيق.

