نقرأ كثيراً عن النجاح، وعن الطريقة التي يفكر بها الناجحون، وكيف يديرون وقتهم، والعادات التي أوصلتهم إلى ما هم عليه، حتى كأن المكتبة امتلأت بوصفات النجاح فيما بقي الفشل أقل حظاً من الدراسة والحديث. لكن ماذا عن الفشل؟ وكيف تتكون ملامحه في حياة الإنسان قبل أن تظهر نتائجه للعيان؟
ربما لا نحتاج إلى البحث بعيداً، لأن الفشل لا يبدأ عادةً بخسارة كبيرة أو قرار واحد خاطئ، بل قد يبدأ بسلوك صغير يتكرر حتى يصبح عادة، ثم يتحول مع الوقت إلى طريقة في التفكير والتعامل مع الناس والعمل والحياة. والحديث هنا ليس عن شخص فشل مرة، أو خسر وظيفة، أو تعثر في مشروع، فكل إنسان معرض لذلك، وقد تكون بعض الإخفاقات بداية لنجاحات لاحقة. المقصود هو مجموعة من السلوكيات التي إذا اجتمعت واستمرت أصبحت عائقاً حقيقياً أمام صاحبها، وربما كان أخطر ما فيها أنه يعتادها حتى لا يعود يراها. فما الصفات التي تستحق أن نتوقف عندها؟
الصفة الأولى: ينزعجون من نجاح الآخرين
نجاح شخص آخر لا يهدد نجاحك، لكن البعض يتعامل معه وكأنه يفعل. وبدلاً من أن يسأل ماذا فعل هذا الشخص حتى ينجح، يبدأ بالبحث عن عيوبه، فإذا تحدث الناس عن إنجازاته تحدث هو عن أخطائه، وإذا لم يجد ما ينتقده شكك في الطريقة التي وصل بها، وكأن التقليل من نجاح الآخرين يعوض شيئاً مما ينقصه.
ومن الطبيعي ألا نعجب بكل شخص ناجح، فالنجاح لا يجعل صاحبه مثالياً ولا يعفيه من النقد، غير أن الانشغال الدائم بالتقليل من إنجازات الآخرين يكشف عن صاحبه أكثر مما يكشف عنهم. فمن يستطيع أن يرى نجاح غيره ويعترف به لا يخسر شيئاً من نجاحه، بل قد يجد فيه درساً كان سيفوته لو انشغل بالبحث عن العيوب.
الصفة الثانية: لديهم تفسير لكل فشل
المدير لم يعطني فرصة، والشركة لا تقدرني، والظروف لم تساعدني، ولم أدرس في الجامعة المناسبة، ولم أعرف الأشخاص المناسبين. وقد يكون بعض ذلك صحيحاً بالفعل، فليست كل الظروف عادلة ولا كل الفرص متاحة للجميع، ولكن المشكلة تبدأ حين يصبح لكل إخفاق تفسير، ولكل تقصير عذر، ولكل تأخير شخص آخر نحمّله المسؤولية.
عندها تتحول الأعذار إلى وسيلة مريحة تمنع الإنسان من رؤية دوره في المشكلة. وهناك فرق كبير بين أن تفهم الظروف التي أعاقتك حتى تتعامل معها، وأن تجعلها تفسيراً دائماً لبقائك في المكان نفسه. الأول يبحث عما يستطيع تغييره، أما الثاني فقد يمضي سنوات وهو يروي القصة ذاتها.
الصفة الثالثة: يتحدثون عن الإنجاز أكثر مما ينجزون
اسأل أحدهم عما يريد تحقيقه، فقد يحدثك طويلاً عن مشاريعه وخططه وطموحاته وما كان سيفعله لو أتيحت له الفرصة المناسبة. ولكن السؤال الحقيقي أبسط من ذلك كله: ماذا أنجزت؟
والإنجاز لا يحتاج دائماً إلى أن يكون كبيراً أو لافتاً للنظر، فقد يكون شهادة حصلت عليها، أو مهارة تعلمتها، أو مشروعاً أكملته، أو مسؤولية تحملتها، أو شخصاً ساعدته، أو عملاً تركت فيه أثراً. المشكلة ليست في أن تبدأ صغيراً، فجميع البدايات صغيرة، وإنما في أن تمضي السنوات ولا يتحول الكلام إلى شيء يمكن رؤيته، فيما تبقى قائمة المشاريع التي «سنبدأ بها قريباً» أطول من قائمة ما أنجزناه بالفعل.
الصفة الرابعة: يرون العيب قبل الإنجاز
اذكر أمامهم شخصاً ناجحاً فيتذكرون خطأه، وتحدث عن تجربة مميزة فيبحثون عن ثغرتها، وقدم نموذجاً لشخص بدأ من الصفر فيقال لك إنه كان محظوظاً أو إن الظروف خدمته. وهكذا تضيع قيمة التجربة كلها في البحث عن سبب يسمح بعدم الاعتراف بها.
لا يوجد إنسان بلا عيوب، كما لا توجد قصة نجاح بلا أخطاء أو قرارات كان يمكن أن تكون أفضل. والنضج يسمح لنا بأن نرى الأمرين معاً، فنختلف مع شخص ونرى عيوبه، ونعترف في الوقت نفسه بما أنجزه. أما إلغاء الإنجاز كله لأن صاحبه ليس كاملاً، فليس نقداً بقدر ما هو طريقة سهلة نعفي بها أنفسنا من التعلم من أحد.
الصفة الخامسة: يهربون من المسؤولية
أعطه مهمة واضحة، ثم انتظر. إذا لم تنجز فستبدأ سلسلة طويلة من الأسباب: الإجراءات معقدة، والوقت لم يكن مناسباً، وفلان لم يرد، والقسم الآخر تأخر، والتعليمات لم تكن واضحة بما يكفي. وقد تكون بعض هذه المعوقات حقيقية، ولكن تكرارها في كل مهمة يجعل المسألة أبعد من مجرد ظرف عابر.
في العمل تحديداً يظهر الفرق بين من يبحث عن طريقة لإنجاز المهمة ومن يبحث عن سبب يبرر عدم إنجازها. والمسؤولية لا تعني أن كل شيء يقع على عاتقك، ولا أن تتحمل أخطاء الآخرين، لكنها تعني أن تعرف ما يقع عليك أنت وأن تقوم به، وأن ترفع المشكلة حين تظهر بدلاً من أن تحتفظ بها لتصبح لاحقاً عذراً جاهزاً.
الصفة السادسة: يصعب عليهم أن يكونوا كرماء مع الآخرين
الكرم هنا لا يتعلق بالمال فقط، فهناك كرم في الكلمة والموقف والاعتراف بفضل الآخرين. أن تقول كلمة جيدة عن زميل، وأن تعطي شخصاً حقه، وأن تذكر من ساعدك، وأن تفرح لإنجاز لم تكن أنت صاحبه، كلها أشكال من الكرم لا تكلف الإنسان شيئاً، ومع ذلك يبخل بها البعض.
يشعر هؤلاء أن الاعتراف بتميز شخص آخر ينتقص منهم، وأن مدح زميل يضعف مكانتهم، وأن إعطاء الآخرين حقهم يعني خسارة شيء من حقهم. والحقيقة أن الإنسان لا يصغر حين يعترف بفضل غيره، بل إن قدرته على فعل ذلك تكشف مقدار ثقته بنفسه أكثر مما تفعل الكلمات التي يقولها عن نفسه.
الصفة السابعة: يقاومون كل جديد
اقترح فكرة جديدة فتظهر المشكلة قبل أن تكتمل الفكرة. جرب طريقة مختلفة للعمل فيقال لك إنها لن تنجح. اطرح مبادرة فيأتيك الرد بأننا جربنا شيئاً مشابهاً من قبل، وإذا تغير النظام أصبحت الطريقة القديمة فجأة أفضل طريقة عرفها الناس.
وليس المطلوب بالطبع أن نرحب بكل فكرة جديدة لمجرد أنها جديدة، فبعض الأفكار لا تستحق التنفيذ وبعض التغييرات قد تكون أسوأ مما سبقها. لكن هناك فرقاً بين النقد المهني الذي يناقش الفكرة وبين مقاومة أي تغيير لأنه يخرج الإنسان من المساحة التي اعتاد عليها. ومن يرفض التغيير دائماً قد يستيقظ بعد سنوات ليجد أن العالم تغير من حوله، فيما بقي هو يدافع عن الطريقة التي اعتادها.
الصفة الثامنة: يترددون عندما يحتاج الموقف إلى قرار
التفكير قبل اتخاذ القرار مطلوب، والتراجع عن قرار ثبت خطؤه ليس ضعفاً، بل قد يكون دليلاً على حسن التقدير. غير أن هناك أشخاصاً يخشون اتخاذ موقف واضح أصلاً، فينتظرون ليروا أين تتجه الأمور، ويغيرون رأيهم بحسب الشخص الموجود أمامهم، ويتركون القرارات معلقة لأن عدم اتخاذ القرار يبدو لهم أكثر أماناً.
وفي الحياة المهنية خصوصاً لا يمكن تأجيل كل شيء إلى أن تتضح الصورة بالكامل، فبعض القرارات يجب أن تتخذ بما هو متاح من معلومات. وقد يكون عدم اتخاذ القرار في الوقت المناسب قراراً بحد ذاته، وله نتائج وثمن أيضاً.
الصفة التاسعة: لا يتكيفون بسهولة
المدير الجديد مشكلة، والفريق الجديد لا يناسبهم، والنظام الجديد معقد، والجيل الجديد لا يفهم، والتكنولوجيا الجديدة مزعجة. يريدون، بطريقة أو بأخرى، أن يبقى المحيط كما اعتادوا عليه، وأن تتغير الأشياء كلها إلا الطريقة التي يعملون ويفكرون بها.
لكن العمل والحياة لا يقدمان لنا هذا الضمان. والقدرة على التكيف لا تعني أن تقبل كل شيء، ولا أن تغير مبادئك بحسب الظروف، وإنما أن تعرف كيف تعمل مع أشخاص مختلفين وفي بيئات مختلفة ومع أدوات وطرق تتغير باستمرار. فالذي لا يستطيع التعامل مع الجديد لن يوقف الجديد عن الوصول، وإنما سيجعل موقعه هو أكثر صعوبة.
الصفة العاشرة: لا يرون المشكلة في أنفسهم
وربما تكون هذه أخطر الصفات كلها، لأنها تغلق الباب أمام إصلاح بقية الصفات. فمن يعرف أن لديه مشكلة يستطيع أن يبدأ في معالجتها، ومن يعترف بخطئه يستطيع أن يتعلم منه، ومن يكتشف نقطة ضعف لديه يستطيع، على الأقل، أن يحاول تغييرها.
أما من يرى نفسه دائماً على حق، ويجد حوله من يوافقه في كل شيء ويبرر له كل تصرف، فقد يمضي سنوات وهو يكرر السلوك نفسه ويحصل على النتائج نفسها، ثم يتساءل لماذا لم تتغير حياته. ووجود أشخاص يقولون لك دائماً إنك رائع ليس بالضرورة أمراً جيداً، فقد تحتاج أحياناً إلى شخص يحترمك بما يكفي ليقول لك ما لا تحب سماعه.
في النهاية…
ليس هناك إنسان ناجح في كل شيء، كما أن من أخفق في مرحلة من حياته لا يستحق أن نحكم عليه بالفشل. فقد يفشل الإنسان اليوم وينجح غداً، وقد ينجح في جانب ويتعثر في آخر، وهذه طبيعة الحياة التي لا تسير على خط مستقيم.
لكن هناك سلوكيات تدفع أصحابها إلى الأمام، وأخرى تبقيهم حيث هم مهما تغيرت الظروف من حولهم. وربما يكون السؤال الأهم بعد قراءة هذه الصفات العشر ليس: من أعرف وتنطبق عليه هذه الصفات؟ فالعثور على أمثلتها في الآخرين أمر سهل، وكل منا يستطيع أن يستحضر اسماً أو أكثر قبل أن ينتهي من قراءة المقال.
السؤال الأصعب هو: أي واحدة منها أفعلها أنا أحياناً؟
فاكتشاف عيوب الآخرين لا يحتاج إلى كثير من البراعة، أما أن يكتشف الإنسان عيوبه ويعترف بها، فهنا قد تبدأ حكاية أخرى.

