سلوك الاستهلاك والتباهي بالماركات وأثره في القيمة الذاتية

بدعة الماركات

تقف امرأة أمام واجهة محل، تنظر إلى حقيبة سعرها يوازي راتب شهر كامل، وتفكر للحظة لا في الحقيبة نفسها بل في وقع اسمها على الناس. هذا المشهد يتكرر كل يوم في كل سوق عربي تقريباً، ولا أحد يسأل نفسه بصدق ماذا يشتري حين يشتري الماركة.

ليست المسألة في الجودة، فالجودة تُدفع ثمنها عن طيب نفس ولا أحد يلوم من يشتري حذاء متيناً يدوم سنوات. المسألة في تلك المسافة الواسعة بين ما تدفعه وما تأخذه فعلاً، تلك المسافة التي يملؤها شيء واحد لا علاقة له بالقدم ولا بالحقيبة، اسمه نظرة الآخرين.

نتعامل مع الماركة وكأنها سلعة، وهي في حقيقتها رسالة. نظن أننا ندفع مقابل القماش والجلد، بينما ندفع مقابل ما سيظنه بنا من يرانا. ومن هنا تبدأ المشكلة، لا في السوق بل في النفس التي تطلب من الأشياء أن تقول عنها ما تعجز هي عن قوله.

الماركة لا تُباع لنا، بل تُباع لنا أنفسنا

حين تشتري علامة فاخرة فأنت لا تشتري منتجاً، أنت تشتري صورة عن نفسك تتمنى أن يصدّقها الناس. هذا جوهر الصناعة كلها، فهي لا تبيعك حذاء بل تبيعك إحساساً بأنك من طبقة معينة، وأنك تنتمي إلى من تراهم فوقك، وأنك لست ممن تخشى أن تكون منهم.

المصمّمون يعرفون هذا جيداً، ولهذا لا تجد في إعلاناتهم حديثاً عن متانة النعل أو راحة القدم، بل وجوهاً واثقة وأضواء وقصراً وبحراً. يبيعونك حياة لا حقيبة، ويتركونك تكمل الباقي في خيالك. والذكاء هنا أنهم لا يكذبون عليك صراحة، بل يفتحون لك باباً وأنت من يدخله بقدميك.

سيقول قائل إن في امتلاك الجميل متعة مشروعة، وإن الإنسان يفرح بما يقتني ولا حرج. والجواب أن الفرق بين أن تقتني شيئاً جميلاً وأنت مطمئن، وأن تقتنيه لتثبت شيئاً لمن حولك، فرق بين راحة وقلق. الأول يملك الشيء، والثاني يملكه الشيء.

هنا يظهر الفرق الحقيقي بين من اشترى لنفسه ومن اشترى لعين غيره. الأول يلبس ما يحب ولا يبالي إن عرف الناس ثمنه، والثاني لا تكتمل متعته إلا حين يُلاحظ، فإن مرّ دون أن يُرى شعر أن نقوده ضاعت.

حين يصبح التقليد فخاً للبيوت

من يملك المال حرّ فيما يشتري وأين يصرفه، فمن وسّع الله عليه فاشترى أغلى ما في الواجهة فذلك شأنه ولا لوم عليه ولا وصاية. المشكلة ليست في الماركة نفسها ولا في من يقدر على ثمنها، بل فيمن لا يملك ثمنها ويطاردها مع ذلك، فيحمّل نفسه وبيته ما لا يحتملان لأجل صورة لا تخصّه.

أخطر ما في هذه العادة أنها لا تبقى في حدود من يملك ثمنها. ينظر من حوله فيرى الماركة علامة على القيمة، فيحاول أن يلحق بها وهو لا يقدر، ومن هنا يبدأ الانزلاق الذي يدفع ثمنه بيت كامل لا فرد واحد.

تقف زوجة موظف دخله محدود أمام صورة صديقتها وقد عرضت حقيبتها الجديدة، فتشعر أنها تأخّرت عن الركب. لا تفكّر في أن تلك الصديقة قد تكون هي الأخرى تدفع ثمناً مؤجلاً، ولا تسأل من أين جاء المال، بل ترى المظهر وتصدّقه، ثم تعود إلى زوجها بطلب يثقل عليه ولا يجرؤ على رفضه.

هذا ليس تهويلاً، فالقائمون على الإصلاح الأسري في المحاكم يذكرون أن الإنفاق المظهري وإرهاق الميزانية لمجاراة الغير من أسباب الخلاف الزوجي المتكررة. حين يتحول المظهر إلى دَين، ويتحول الدَّين إلى توتر يومي، يصبح الحذاء الفاخر أغلى مما كُتب على سعره بكثير.

ثم يأتي وجه أغرب من هذا كله، حين يلجأ من لا يقدر على الأصل إلى المقلّد المزيّف ظناً منه أنه يوفّر. والمفارقة أن كثيراً من هذا المقلّد لم يعد رخيصاً كما يُتصوَّر، فقد صارت له بدوره أسعار مبالغ فيها، حتى تجد حقيبة مزيّفة تُباع بمئات قليلة لا فرق بينها وبين رخيصة مجهولة إلا اسم مطبوع على معدنها.

هنا تكتمل الخسارة من وجهين، فالمشتري لا يحصل على جودة الأصل ولا على صدق امتلاكه، ويدفع مع ذلك ثمناً ليس بالقليل مقابل اسم لا يملكه. يدفع ليُظَنّ أنه يملك ما لا يملك، ويعيش في قلق دائم من أن يُكشف، فيجتمع عليه ثقل النفقة وثقل الخوف معاً. ومن يشتري الاسم وحده، أصلاً كان أو مزيّفاً، يدفع دائماً أكثر مما تساوي السلعة.

والمؤلم أن من يقلّد لا يصل أبداً، فالطبقة التي يطاردها تشتري طبقة أعلى، والسوق يخترع كل موسم ما يجعل ما اشتراه بالأمس قديماً. إنه سباق مصمَّم بحيث لا ينتهي، ومن يدخله يركض دائماً خلف خط يتحرك كلما اقترب منه.

ماذا تقول الماركة عنّا حقاً

نظن أن العلامة الفاخرة تقول للناس إننا ناجحون، وهي في الغالب تقول شيئاً آخر تماماً. تقول إننا نحتاج إلى شاهد على قيمتنا، وإن ثقتنا بأنفسنا ضعيفة إلى الحد الذي نستعير له الأشياء كي تتكلم عنّا.

لاحظتُ بين من أتعامل معهن في التدريب أن أكثر النساء أناقة لسن بالضرورة أكثرهن إنفاقاً. المرأة الواثقة تختار ما يليق بها ولا تنتظر أن يُسأل عن ثمنه، أما من تطارد الانتباه فترتدي اسماً لا ذوقاً، وتظن أن السعر يصنع الحضور. والحضور لا يُشترى، فهو ينبع من الداخل أو لا يكون.

الحضور الحقيقي أهدأ من أن يُعلن عن نفسه بشعار على حقيبة. هو في كيف تتكلم وكيف تصمت، في اتزانك حين يضطرب من حولك، في أن يتذكّر الناس ما قلتِه لا ما لبستِه. ومن يملك هذا لا يحتاج إلى علامة تشهد له، ومن لا يملكه لا تنفعه كل علامات الدنيا.

ليس المطلوب أن نزهد في الجميل أو نحتقر من يقتنيه، فهذا تطرف لا يقل عن الأول. المطلوب أن نعرف لماذا نشتري، وأن نفرّق بين رغبة صادقة في شيء نحبه وبين حاجة خفية إلى أن نُرى. حين نصدق مع أنفسنا في هذا السؤال، يهدأ الكثير من إنفاقنا من تلقاء نفسه.

قبل أن تدفعي

لستِ مطالبة بأن تتخلّي عما تحبين، بل بأن تسألي نفسك سؤالاً واحداً قبل أن تدفعي، ثلاث وقفات صغيرة تكشف الكثير:

الدافع، هل أشتري هذا لأنه يعجبني فعلاً، أم لأنه سيُلاحَظ؟ إن كان الجواب الثاني فالثمن ليس ثمن السلعة بل ثمن القلق.

القدرة، هل أدفع من سعة أم أرهق بيتي لأجاري من لا يعنيني رأيهم أصلاً؟ ما يُشترى على حساب راحة البيت يفقد جماله سريعاً.

الأثر، هل سيتذكّرني الناس بما أحمل، أم بمن أكون؟ الأشياء تُنسى وتُستبدل، وما يبقى منكِ في ذاكرة من حولك ليس على رفّ متجر.

الماركة في النهاية مرآة، تكشف ما في داخلنا أكثر مما تزيّن ما في خارجنا. ومن وجد قيمته في نفسه نظر إلى أغلى واجهة فرأى حذاءً جميلاً وحسب، لا اختباراً عليه أن ينجح فيه.

 

Leave a Reply

بتحب توثق لحظاتك على البحر؟ حلو!
بس قبل ما تفتح الكاميرا، فكّر بمين حواليك 👀🌊
الخصوصية حق للكل.
#إتيكيت #تصوير #شاطئ #بحر #د_سلام_سليم_سعد #foryou

بتحب توثق لحظاتك على البحر؟ حلو!
بس قبل ما تفتح الكاميرا، فكّر بمين حواليك 👀🌊
الخصوصية حق للكل.
#إتيكيت #تصوير #شاطئ #بحر #د_سلام_سليم_سعد #foryou
...

2 1
إدارة المشاريع (PMP) من كامبريدج!
رغم كل التحديات الصحية.

إدارة المشاريع (PMP) من كامبريدج!
رغم كل التحديات الصحية.
...

3 1
د. سلام مع الطفلة سلام 
أنا هي و هي أنا 😀

د. سلام مع الطفلة سلام
أنا هي و هي أنا 😀
...

21 2
السيدة الأولى قالت إن إيلي صعب ومصممين آخرين يقدّمون لها الملابس. 
في الولايات المتحدة البروتوكول واضح: السيدة الأولى تشتري ملابسها أو تلبس من مصممين على ان تعيد ما تلبس للمصمم او تبتاعه من مالها الخاص. 
ليش ما في عنا بروتوكول يحدد هالتفاصيل يلي بتبين صغيرة بس بالأساس أساس للشفافية و المحاسبة و المصداقية  مثلها مثل تلقي الهدايا و قيمة الهدية المسموح تقبلها…
الفكرة ما بتتوقف انو بس قطعة ثياب، الناس بتشوفها كرمز لغياب الشفافية ولارتباط الأسماء الكبيرة بالسلطة من دون أي حساب. بهيك بلد مأزوم، أي كلمة عن هدايا أو امتيازات بتنقرأ كفجوة أكبر بين السلطة والناس

‫#السيدة_الأولى‬ ‫#ايلي_صعب‬

السيدة الأولى قالت إن إيلي صعب ومصممين آخرين يقدّمون لها الملابس.
في الولايات المتحدة البروتوكول واضح: السيدة الأولى تشتري ملابسها أو تلبس من مصممين على ان تعيد ما تلبس للمصمم او تبتاعه من مالها الخاص.
ليش ما في عنا بروتوكول يحدد هالتفاصيل يلي بتبين صغيرة بس بالأساس أساس للشفافية و المحاسبة و المصداقية مثلها مثل تلقي الهدايا و قيمة الهدية المسموح تقبلها…
الفكرة ما بتتوقف انو بس قطعة ثياب، الناس بتشوفها كرمز لغياب الشفافية ولارتباط الأسماء الكبيرة بالسلطة من دون أي حساب. بهيك بلد مأزوم، أي كلمة عن هدايا أو امتيازات بتنقرأ كفجوة أكبر بين السلطة والناس

‫#السيدة_الأولى‬ ‫#ايلي_صعب‬
...

27 3
لا بالحب… ولا بالعتاب مقبولة
صفعة ماكرون قدام الكاميرات 
الإحراج عمره ما كان طريقة للتفاهم.
#اتيكيت #ماكرون #بريجيت_ماكرون #خلاف_زوجي #fyp #Trending

لا بالحب… ولا بالعتاب مقبولة
صفعة ماكرون قدام الكاميرات
الإحراج عمره ما كان طريقة للتفاهم.
#اتيكيت #ماكرون #بريجيت_ماكرون #خلاف_زوجي #fyp #Trending
...

5 0
صفعة بريجيت ماكرون لزوجها الرئيس الفرنسي فتحت نقاش كبير…
هل في شيء اسمه "عتاب بأناقة"؟
اتيكيت العلاقات ما بيتجاهل المشاعر… لكن بيحط حدود للمشهد العام.
#اتيكيت #بريجيت_ماكرون #فرنسا #علاقات #احترام #fyp #Trending

صفعة بريجيت ماكرون لزوجها الرئيس الفرنسي فتحت نقاش كبير…
هل في شيء اسمه "عتاب بأناقة"؟
اتيكيت العلاقات ما بيتجاهل المشاعر… لكن بيحط حدود للمشهد العام.
#اتيكيت #بريجيت_ماكرون #فرنسا #علاقات #احترام #fyp #Trending
...

11 1
هل تكفي القاعدة الذهبية في التعامل مع الآخرين؟ 🪮
وماذا عن القاعدة البلاتينية التي يتجاهلها الكثير؟
كتبت عن الفرق وأثره في مقال على موقعي. اقرأه على

https://drsalamslimsaad.com/the-golden-rule-the-platinum-rule-and-etiquette/

هل تكفي القاعدة الذهبية في التعامل مع الآخرين؟ 🪮
وماذا عن القاعدة البلاتينية التي يتجاهلها الكثير؟
كتبت عن الفرق وأثره في مقال على موقعي. اقرأه على

https://drsalamslimsaad.com/the-golden-rule-the-platinum-rule-and-etiquette/
...

2 0
عامل الناس كما تحب أن تُعامَل…
لكن الأرقى: عاملهم كما يحبون أن يُعامَلوا.
الإتيكيت الحقيقي لا يفرض ذوقك، بل يفهم اختلافهم.
اقرأ المقال من موقعي:
https://tinyurl.com/bdykvy56 

#د_سلام_سليم_سعد #اتيكيت #الحضور_القيادي

عامل الناس كما تحب أن تُعامَل…
لكن الأرقى: عاملهم كما يحبون أن يُعامَلوا.
الإتيكيت الحقيقي لا يفرض ذوقك، بل يفهم اختلافهم.
اقرأ المقال من موقعي:
https://tinyurl.com/bdykvy56

#د_سلام_سليم_سعد #اتيكيت #الحضور_القيادي
...

2 0
إتيكيت ملابس البحر بيحترم المكان، الناس، ونفسك أولاً.
#اتيكيت #البحر #الصيف #ملابس_البحر #سلوكيات #تواصل #fyp #Trending

إتيكيت ملابس البحر بيحترم المكان، الناس، ونفسك أولاً.
#اتيكيت #البحر #الصيف #ملابس_البحر #سلوكيات #تواصل #fyp #Trending
...

4 0
بين بداية و نهاية

بين بداية و نهاية ...

3 0
This error message is only visible to WordPress admins
There has been a problem with your Instagram Feed.

Discover more from Dr. Salam Slim Saad

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading