نحرص جميعاً على أن نُحسن إلى من حولنا، فنبادر إلى مساعدة الأصدقاء كلما احتاجوا، ونتجنّب جرح المشاعر، ونؤدي ما يُتوقّع منا حتى لو أرهقنا، ونبتلع انزعاجنا كي لا نُحرج أحداً. هذا هو اللطيف الذي يحبّ أن يصفه الناس باللطف، لكنه إن دقّق في سلوكه اكتشف أن كثيراً منه أقرب إلى الانهزام منه إلى الطيبة، وأن ثمن هذه الصورة الجميلة يُدفع من وقته وطاقته وصحته دون أن ينتبه.
على هذه المفارقة بنى المعالج النفسي الأمريكي ديوك روبنسون كتابه «لا تكن لطيفاً أكثر من اللازم»، إذ يرصد تسعة أخطاء يقع فيها اللطفاء كل يوم بنيّة حسنة فتنقلب عليهم، والكتاب لا يدعو إلى الفظاظة بل إلى التمييز بين اللطف الذي يصلك بالناس واللطف الذي يأكلك في سبيلهم.
حين يصير اللطف انهزاماً
الفكرة المركزية أن اللطيف كثيراً ما يقول نعم حين كان ينبغي أن يقول لا، ويتظاهر بالهدوء وهو غاضب، ويلجأ إلى الكذب الصغير خشية أن يجرح أحداً، ويحمل أعباء فوق طاقته كي لا يُحرج عزيزاً عليه، وكل ذلك في سبيل صورة لطيفة عن نفسه يدفع ثمنها من عمله وعلاقاته وصحته.
يربط روبنسون أول الأخطاء بالنزعة إلى الكمال، فاللطيف يضع لنفسه معايير لا يطيقها ويرهق نفسه في إرضاء الجميع وإثبات ذاته في آن، والسعي إلى الإتقان ليس عيباً في ذاته لكنه يصير خطأ حين يدفع إلى توقعات غير واقعية أو يتحوّل إلى هاجس يعطّل العمل، وأول الطريق للخروج منه أن تؤمن فعلاً لا أن تردّد بأنه لا أحد كامل وأن قبول الناس لك لا يمرّ بالضرورة عبر الكمال.
الأخطاء التسعة كما يعرضها الكتاب
يجمع روبنسون سلوك اللطفاء في تسعة أخطاء متكرّرة يرى أن قليلاً من التفكير والجهد يكفي للتوقف عنها، ويقترح في مقابل كل خطأ ما يصحّحه:
- أن نتحرّر من الالتزام بما يتوقعه الآخرون منا مما لسنا مقتنعين به أصلاً.
- أن نقول لا عند الضرورة فنقي أنفسنا حمل ما لا نطيق، بدل أن نتأرجح بين الشعور بالذنب إن رفضنا واستنزاف الطاقة إن قبلنا كل شيء.
- أن نخبر الآخرين بما نريده منهم وأن نتلقاه فعلاً، فكتمان ما نريد في سبيلهم يمرض النفس والجسد وقد تتبدّد معه ملامح شخصيتنا.
- أن نعبّر عن غضبنا بطريقة تداوي العلاقة وتصونها، فلا نثور كالبركان ولا نخفي ضيقنا، بل نُشعر من تجاوز حدّه بأن تصرّفه يضايقنا حتى لا يكرّره.
- أن نستجيب بفاعلية حين يهاجمنا الناس أو ينتقدوننا بلا تعقّل، بدل أن نبتلع الأذى ونبتسم.
- أن نصارح أصدقاءنا بالحقيقة حين يخذلوننا، لا أن نتهرّب منها حرصاً على عدم إحراجهم.
- أن نهتمّ بالآخرين دون أن نحمل عبء إدارة حياتهم نيابة عنهم.
- أن نساعد من نحبّ ممن يميلون إلى تدمير أنفسهم على أن يستعيدوا توازنهم النفسي.
- أن نشعر بأهليتنا ونفعنا حين نواجه الألم والحزن، فلا ينهار إحساسنا بقيمتنا عند أول محنة.
الصدق الذي لا يجرح
من أطرف ما يوضّحه الكتاب أن التخلّي عن اللطف الزائد لا يعني الوقاحة بل قول الحقيقة بتواضع وحساسية، ويضرب روبنسون مثالاً بسيطاً: لو سألتك زوجتك عن رأيك في طبخة لم تعجبك فلا أنت مضطر إلى الكذب وتقول إنها رائعة ولا إلى الفظاظة وتقول إنها سيئة، يكفي أن تقول إنك تحبّ طبخها عادة وإن مذاقها هذه المرة جاء مختلفاً قليلاً، فتخرج من المأزق بأقل الخسائر وتترك باباً مفتوحاً بينكما.
هذا التوازن الدقيق بين الصدق والرفق هو روح الكتاب كله، فالحقيقة المرّة لا تنفع حين تُلقى كحجر واللطف الكاذب لا ينفع حين يترك صاحبك يمضي في طريق خاطئ، وبين الطرفين مساحة يتعلّمها اللطيف بالتمرين فيصبح صدقه مطلوباً لأن الناس يثقون أنه يقول ما يراه برفق لا ما يشتهون سماعه.
اللطف والنساء
يلتفت روبنسون إلى أن النساء يتحمّلن ضغطاً اجتماعياً أكبر مما يتحمّله الرجال كي يكنّ لطيفات، وأن كثيرين يظنون أن الرجل لا يبلغ مستوى المرأة في اللطف، لكنه يقرّر أن الخطأ واحد عند الجنسين فاللطيف رجلاً كان أو امرأة يكرّر الوقوع في هذه الأخطاء التسعة ويلحق بنفسه الضرر نفسه، والدعوة إذن ليست نسائية ولا رجالية بل دعوة لكل من اعتاد أن يُرضي الجميع على حساب نفسه.
لماذا يستحق هذا الكتاب القراءة
قيمة «لا تكن لطيفاً أكثر من اللازم» أنه يمسّ سلوكاً نمارسه يومياً ونحسبه فضيلة خالصة فيكشف وجهه الآخر دون أن يطلب منا أن نتغيّر بين ليلة وضحاها، فروبنسون لا يَعِد بشخصية جديدة بل يقترح تعديلات صغيرة في طريقة قولنا نعم ولا وفي طريقة تعبيرنا عن الغضب والحاجة والرأي.
الخلاصة التي يتركها الكتاب أن التخلّص من هذه الأخطاء لا يعني أن نكفّ عن أن نكون لطفاء بل أن نرشّد الجهد الزائد الذي نبذله للحفاظ على لطفنا في كل وقت، وهو جهد كثيراً ما يأتي على حساب أعصابنا وراحتنا، واللطف حين يُحرَّر من الخوف والمجاملة يصير أصدق وأبقى لطفاً لا يأكل صاحبه.

